أشار البطريرك الماروني ​مار بشارة بطرس الراعي​، خلال افتتاحه في بكركي احتفالية لإحياء الذكرى 60 لإصدار وثيقة "في عصرنا"، إلى "أننا نجتمع اليوم لإحياء ذكرى مرور ستين سنة على إصدار وثيقة "في عصرنا" عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني سنة 1965، التي وقّعها 2226 أسقفاً من أصل 2500 شاركوا في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني".

وأوضح أنّ "تأييد هذه الوثيقة يعكس وعي الكنيسة المتقدّم لرسالتها القائمة على تعزيز الوحدة والمحبة بين الناس لا بل بين الأمم، وعلى توسيع المشترك فيما بينهم، تحقيقاً لعيشهم معاً بروح العدالة والمساواة. لقد جاءت الوثيقة أشبه بدعوة الى المؤمنين جميعاً لكي تعرّفوا ويعزّزوا الخيور الروحية والأدبية، والقيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، التي يولدها الحوار واللقاء بين مختلف الديانات".

وقال الراعي: "تفصّل الوثيقة أن الكنيسة تنظر "باحترام وتقدير" إلى الديانة الإسلامية، والى ما فيها من مشتركات عديدة مع المسيحية، أهمها عبادة الله الواحد وإجلال المسيح وأمه مريم، والى ما تحمله من خيرات روحية. هذه كلّها تفوق السلبيات التي عرفها تاريخ العلاقات بين الديانتين. ان المفاهيم المتجددة، التي حملتها الوثيقة، شجّعت المسيحيين والمسلمين ودفعتهم الى تجاوز جراح الماضي، والى بناء جسور الحوار واللقاء والتفاهم من أجل عالم أكثر عدالة، وأكثر سلاماً، وأكثر التزاماً بثوابت الأخلاق والسلام والحرية".

وتابع: "لقد أطلقت الوثيقة مساراً جديداً في الكنيسة انطلق بداية من تعميق الوعي النظري واللاهوتي والفقهي على مضامين الوثيقة، وتطور لاحقاً الى ترجمة ذلك الوعي بمبادرات عملية مشتركة في خدمة الانسان. وشكّل لبنان، ولا يزال، الأرض الخصبة لنمو بذور الوثيقة المذكورة. فتجدّدت مواثيق وعهود العلاقات الإسلامية المسيحية، وانتظمت أكثر فأكثر في أطر دستورية تطويراً للميثاق الوطني، وتحصيناً للعيش المشترك بين المكوّنات اللبنانية من أتباع الديانتين".

وشدد الراعي على أنّ "لبنان كان سبّاقاً تاريخياً في عيش مضامين الوثيقة، منذ أن قامت علاقات تعارف فمودّة فأخوّة بين المتصوفين المسلمين وحبساء ونسّاك جبل لبنان المسيحيين (رحلة ابن جبير الأندلسي، الإصدار الأوّل والثاني 1852- و1907). وبالرغم من التطور الذي أحدثته الوثيقة في نفوس المؤمنين، وبالرغم مما حققه لبنان من مبادرات أبرزت وحدة أبنائه المسيحيين والمسلمين، ونهائية ولائهم للبنان، فان المسيرة لا تزال تحتاج الى الكثير من تعميم الوعي وتعميق الالتزام وتعزيز المبادرات العلمية. لقد كان غياب مبادرة تنقية ذاكرة اللبنانيين بعد الحروب التي عرفوها أبرز نقاط الضعف الذي أعاق، ولا يزال، قيام دولة المواطنة حيث ينصهر المواطنون انصهاراً متفاعلاً متكاملاً لما فيه خيرهم المشترك ومستقبلهم الموحد الجامع".

وقال الراعي: "لقد سعت كنيستنا الى توسيع آفاق وثيقة "في عصرنا" النظرية، والى ترجمتها ترجمة عملية، فنشأت في كنفها مبادرات وحوارات هادفة الى تحصين الصيغة اللبنانية، وتعميق خيارات الوحدة والتضامن بين مكوّنات العائلة اللبنانية".

وأوضحت أنّ "المسؤولية الوطنية تقتضي منا جميعاً تطوير هذه المبادرات المشرقة الكفيلة بطيّ الصفحات السوداء الماضية".

وذكر أنّ "لقاء اليوم هو إحدى هذه المبادرات المندرجة في سياق دور الكنيسة التاريخي، وأمانتها للبنان الوطن - الرسالة، كما هو شهادةٌ للشراكة الإنسانية المسيحية الإسلامية، بأبعادها الحضارية، وللمعيّة، أي العيش والسير معاً لبناء العدالة والسلام".

وأضاف الراعي: "يأتي اللقاء بمثابة تمهيد لزيارة البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان، الذي أدرج زيارته تحت عنوان الرجاء والسلام للبنان".

وقال: "إننا فيما نشكر اللجنة الأسقفية على تنظيمها هذا اللقاء، ونشكر المهتمين والخبراء، أفراداً وهيئات، الذين تعاونوا معها، ونرحب بجميع الحاضرين يتقدمهم ممثلو رؤساء طوائفنا اللبنانية الكريمة، نأمل متابعة منتظمة ومتواصلة لهذه المبادرة".

ثم كانت كلمة لرئيس المجلس العلوي في لبنان الشيخ علي قدور ألقاها ممثله الشيخ أحمد عاصيألقاها ممثله الشيخ عاصي، وكلمة لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلي الشيخ علي الخطيب ألقاها ممثله المفتي الشيخ حسن عبدالله، وكلمة لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ألقاها ممثله الشيخ محمد إمام، بعدها ألقى شيخ العقل لطائفة الموحدين الدورز سامي أبي المنى كلمته.

وركّزت الكلمات على أهمية تعميم مضامين الوثيقة المتعلّقة بالحوار بين الأديان ، وعلى كيفيّة توظيفها لتعزيز العلاقات الإسلامية المسيحية وخبرات العيش المشترك في لبنان.

ثم كانت كلمة بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، تناول فيها مضامين الوثيقة، والالتزام بها من قبل المسيحيين والمسلمين وتوسيع المشترك بينهم، فيطلقون مبادرات عملية مبادرات مشتركة، مشدّداً على ضرورة وعي خطورة فراغ لبنان والشرق الاوسط من المسيحيين.وعرض وقائع ممّا يجري في سوريا والعراق من مؤشرات هذا الفراغ المتزايد الخطير.

ثم تلا رئيس اللجنة الأسقفية للحوار الإسلامي المسيحي المطران شارل مراد، رسالة رئيس دائرة الحوار بين الأديان في الكرسي الرسولي الكاردينال جورج كوفاكاد، وجاء فيها: "قبل ستين عاماً، قدّم المجمع الفاتيكاني الثاني للعالم عطية نبوية تمثلت بإعلان هذه الوثيقة، التي تتناول علاقة الكنيسة بالأديان الأخرى. ودعا الإعلان المذكور الكنيسة إلى الاعتراف بحضور الله في تنوّع الإيمان البشري. وتابع: في الذكرى الستين، أخصّ بالتحية العلماء المسلمين والمسيحيين المجتمعين في هذه المناسبة. لتكن هذه الذكرى تجديدًا لا تكرارًا. لقد تغيّر العالم، ويجب أن تتجدّد أيضًا رؤيتنا للأديان الأخرى ونهجنا في الحوار. ويجسّد لبنان، منذ زمن بعيد هذه الرؤية، حيث يرتفع نداء المؤذّن مع رنين أجراس الكنائس معًا في تسبيح الإله الواحد، الرحمن الرحيم".

وأضاف: "أدعوكم إلى أن تتحدثوا بجرأة ووضوح عن الأسس الروحية للحوار. ساعدوا المؤمنين في المساج، والكنائس والمدارس والجامعات والعائلات. على أن يروا نوسترا إيتاتي لا كوثيقة تاريخية جامدة، بل كخارطة طريق حيّة لعصرنا. ولتكن المدارس والإكليريكيات والمعاهد والجامعات مختبرات للسلام، يتعلّم فيها الشباب كيف يعيشون معًا بانسجام".

وألقى مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبدو أبو كسم مدخل التوصيات والتطلعات المستقبلية، وتلاها منسّق أعمال اللجنة الأسقفية للمناسبة المطران يوسف سويف، معدِّداً أبرزها: تشكيل لجنة متابعة، إطلاق مبادرة تأسيس تجمّع الهيئات والمنتديات المهتمة بالحوار الإسلامي المسيحي، عقد المؤتمر السنوي لهذا التجمّع، إعداد وإصدار دليل الهيئات والمؤسسات والأفراد المعنيين بالحوار الإسلامي المسيحي، إقامة "أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار" في لبنان عملاً بقرار الأمم المتحدة المتخذ بتاريخ 16/9/2019، جمع وتحقيق ونشر الوثائق والمقاربات المتعلقة بالحوار الإسلامي المسيحي، إقامة سلسلة ندوات ومحاضرات حول الوثيقة وتنظيم إطلالات إعلامية للإضاءة عليها، إدخال موضوع الحوار الإسلامي المسيحي مادة تعليمية في المناهج التربوية، تنظيم مسابقات وأعمال فنية وثقافية وجوائز سنوية حول الحوار المسيحي الإسلامي، تشكيل لجان إقليمية فرعية في المناطق والأبرشيات، تحقيق مبادرات تنموية مشتركة سنوياً، تنظيم جولات تواصل وتعارف ومبادرات خدمة اجتماعية وتنموية بين أبناء مختلف الطوائف، عقد لقاء الشباب الإسلامي المسيحي الدوري، إصدار نشرة إعلامية دورية، وصياغة شرعة عمل إعلامي تحرّم أي مادة إعلامية تسيء إلى العيش المشترك أو تتعارض مع مسلّماته.